الحوار الوطني.. قراءة في ضوء التجارب السابقة والسيناريوهات المتوقعة

عرفت موريتانيا خلال تاريخها السياسي الحديث تجارب حوار متنوعة، ومتعددة بتعدد أنظمتها السياسية، ومحطاتها الاستثنائية، ظلت في أغلبها تدور حول نفس المواضيع، وتواجه نفس الإشكالات والتحديات، وتنتهي إلى النتائج ذاتها.

وكانت هذه الحوارات في جزء معتبر منها استجابة تفاعلية لأزمات سياسية مستجدة واقعة أو متوقعة، كالانقلابات والخلاف حول الانتخابات، وذلك بدل أن تكون إرادة ذاتية دائمة، أو آلية مؤسسية لتعزيز الوحدة الوطنية، وتقوية التجربة الديمقراطية.

ولعل باكورة الحوار الوطني في البلاد ما جرى في المؤتمر المحضر لإعلان استقلال البلاد الداخلي (مايو 1958)، والذي عرف وضع جزء من أسس الدولة الجديدة في البلاد، وبعض من هويتها الجامعة، ثم الحوار الذي جرى بين نظام المختار ولد داداه رحمه الله ومعارضاته، من النهضة إلى الكادحين، ولئن كانت فترة الحكم العسكري ما قبل الانتقال إلى ما وصف بالتعددية لم تعرف حوارات معلنة بين الأطراف السياسية، فإنها عرفت تحالفات وتجاذبات بين الحكام العسكريين والحركات السياسية الفاعلة حينها، غير أنها لم تأخذ طابع حوار وطني أو سياسي معلن.

ومن محطات الحوار السياسي البارزة في البلاد، ما جرى بين نظام ولد الطائع 2001، وجزء من المعارضة حينها، لتأتي بعده إحدى أبرز تجارب الحوار في تاريخ البلاد، وهو التشاور الذي جرى في الفترة الانتقالية، (2005) وتمخض عن نتائج أحدثت نقلة نوعية في التجربة الديمقراطية في البلاد، حيث وضعت أسسا مهمة في البناء الديمقراطي أبرزها التناوب الذي ظل صامدا رغم الهزات التي تعرض لها.

وفي 2009، عرفت البلاد حوارا سياسيا بين قادة انقلاب 2008، والجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، جرت جولاته في السنغال، وعرف بـ"حوار داكار"، تلاه حوار سياسي آخر في العام 2012، قاطعته غالبية أحزاب المعارضة، وشاركت فيه بعض أحزابها التي عرفت لاحقا بـ"المعارضة المحاورة"، وبعد خمس سنوات، أجرت البلاد حوارا آخر في العام 2016، وشاركت فيه نفس الأطراف السابقة، وقاطعته غالبية المعارضة.

وقد عرفت مواضيع الحوارات السياسية في البلاد وممهداتها تنازلا متسارعا خلال العقود الماضية، لتنتقل من مواضيع استكمال الاستقلال، وبناء مقومات السيادة الوطنية، إلى مواضيع تفصيلية، وملفات تكتيكية، وصلت في بعض الأحيان إدراج نقاط هامشية جدا، كإعادة موظف مفصول، أو ذات بعد تعقيدي، كاشتراط حل كتيبة الأمن الرئاسي، أو إلغاء نص قانوني معين، أو تطبيق القوانين المتعلق بفتح وسائل الإعلام أمام جميع الفرقاء.

       وإذا صنفنا الحوارات التي عرفتها البلاد انطلاقا من مواضيعها، فستكون الحوارات التي جرت في العقدين الأولين بعد الاستقلال في الصدارة، حيث كانت تتناول مواضيع تتعلق بالسيادة، واستكمال الاستقلال من الدولة الفرنسية، واتخاذ خطوات وقرارات كبرى، اتخذ بعضها فعلا كتأميم شركة "ميفرما" الفرنسية، وسك العملة، ومراجعة الاتفاقيات الثنائية مع فرنسا.

       غير أن هذه الحوارات كانت تنتهي في الغالب باندماج الطرف المحاور في السلطة، وحزبها، وهو ما يعني أنها – في حقيقتها – لم يكن حوارا بين طرفين متباينين بهدف الوصول إلى مشتركات للعمل عليها مع بقاء التباين، بقدر ما هو حوار بهدف الاندماج في منظومة واحدة، تخدم أهدافا وطنية مشتركة، وتضرب التعددية السياسية في مقتل.

       ولا شك أن الحوار الذي جرى خلال الفترة الانتقالية كان من أكثر الحوارات السياسية في تاريخ البلاد نجاحا، وأعمقها أثرا على المنظومة السياسية في البلاد، حيث ساهم في تحقيق نقلات نوعية على مستوى البنية السياسية، من خلال تنظيم أول انتخابات شفافة – إلى حد ما – في تاريخ في البلاد، وإيكال الإشراف عليها إلى لجنة مستقلة، وتحديد المأموريات الرئاسية، واستحداث مؤسسة للمعارضة، ذات أدوار قانونية رسمية ضمن منظومة الحكم، وسن عدد من القوانين التأسيسية في مجال الشفافية ومحاربة الفساد.

       وباستثناء هذا الحوار الذي جرى في ظل سلطة عسكرية انتقالية، وانقسام حدي في بنية الطبقة الحاكمة، وتوثب وطموح شعبي كبير، يمكن وصف بقية الحوارات اللاحقة بأنها عرفت تراجعا كبيرا على مستوى الأهداف، والشمولية، والمشاركين، وحتى على مستوى النتائج، وآليات متابعة تحققها.

       ورغم أن مواضيع كالإصلاح السياسي، وإنضاج وتعزيز التجربة الديمقراطية، ومحاربة الفساد، والقضاء على الاسترقاق، ومعالجة آثاره، وحل مشكل الإرث الإنساني ظلت في صدارة مواضيع هذه الحوارات، إلا أنها – في الواقع – تحولت إلى أداة بيد السلطة لإعادة هندسة المشهد السياسي، وتمرير أجندات محددة من خلالها، يتم إخراجها في ثوب تنازلات شكلية، وغالبا ما تشتكي الأطراف المشاركة فيها من الانتقائية الكبيرة في تطبيقها، بما في ذلك "حوار داكار" الذي جرى برعاية أممية، ومع ذلك، فإن نتائجها كانت تزيد من مستوى التراكم، وتحقق مكسبا في جانب من جوانب الأداء السياسي، أو مستوى الحكامة في البلاد.

       كما تأثرت مصداقية هذه الحوارات من مقاطعتها من أطراف فاعلة في المشهد السياسي، إذ بعد حوار 2005، وحوار داكار 2009، لم تعرف البلاد أي حوار تشارك فيه جميع الأطراف السياسية، حيث كانت التجارب اللاحقة تعرف رهان السلطة على كشكول الأحزاب والقوى المنضوية في الأغلبية الداعمة لها، وبعض أطراف المعارضة القريبة منها، أو المهادنة لها، في حين تقاطعه بقية المعارضة مقاطعة نشطة، دون أن يمنعها ذلك من الاستفادة من نتائجه في حال تمخض عن تحسينات ما في المنظومة الانتخابية أو السياسية.

وكانت نتائج هذه الحوارات وخلاصاتها على الدوام محل انتقاد واعتراض من مقاطعيها، بسبب مواضيعها، أو مسار تحضيرها، أو طبيعة تنظيمها، أو اتهام السلطة بعدم الجدية في تنظيمها، أو محاولة تجييرها، وهو ما يعني في النهاية غياب متطلبات نجاح الحوار السياسي، وهي إدارة سياسية قوية وموحدة وجازمة، ومشاركة سياسية ومجتمعية فاعلة.

 

التركيز على الهدوء "والتشاور المفتوح"

ركز الرئيس محمد ولد الغزواني منذ استلامه للسلطة فاتح أغسطس 2019، - وحتى خلال خطاباته في الحملة الممهدة للانتخابات - على تحقيق الهدوء السياسي، وتطبيع العلاقة بين مكونات المشهد السياسي، فيما تجنب في خطابه العلني الحديث الصريح عن الحوار السياسي.

وقد وجوهت مطالب المعارضة الدائمة بتنظيم حوار سياسي بتشكيك من قادة الحزب الحاكم في وجاهتها، وتأكيد انعدام مبرراتها، وهي وجود أزمة أو احتقان سياسي أو مجتمعي، في حين أن الوضع السياسي في البلاد طبيعي، والرئيس يستقبل في القصر الرئاسي جميع الفاعلين السياسيين، ويتشاور معهم باستمرار.

       كما شكلت أزمة كوفيد 19، والتي دهمت البلاد والعالم فرصة لإيجاد إطار تشاركي بين الفاعلين السياسيين لمتابعة الصندوق المستحدث بهذه المناسبة، والذي خصص له أكثر من 100 مليار أوقية، حيث أنشئت لجنة متابعة له ضمت ممثلين عن الأحزاب الممثلة في البرلمان، وعن جمعيات المجتمع المدني، غير أن التجربة واجهت هزات نتيجة تحفظ بعض الأطراف المعارضة عليها.

       ومع بداية انقشاع غمة كوفيد 19، وتزايد مطالب المعارضة بالحوار، استجابت الحكومة للطلب بداية إبريل 2022، لكنه تفادت استخدام مصطلح الحوار، واختارت بدلا منه التشاور، وتم تكليف الوزير الأول العام للرئاسة – حينها – يحي ولد أحمد الوقف بقيادة اللجنة المكلفة به، وبعد نحو شهرين ونيف أعلن ولد الوقف تعليق التشاور إلى أجل غير مسمى[1]، مكررا اللازمة التي طالما كررتها الأغلبية والحكومة، وهي القناعة بعدم ضرورة الحوار، أو جدوائيته، وتملك النظام لشرعية مكتملة لا تحتاج أي تعزيز، ونجاحه الكبير في تهدئة الساحة السياسية، وإعادة بناء العلاقة بين مكوناتها على أسس وقواعد مغايرة لما كانت عليه[2].

       نهاية "تشاور" ولد الوقف المفاجئة[3]، كانت إيذانا بالعودة للحوارات الجزئية، حيث أطلق وزير الداخلية واللا مركزية محمد أحمد ولد محمد الأمين حوارا مع الأحزاب السياسية للتحضير للانتخابات النيابية والجهوية والبلدية مايو 2023، قاطعته أحزاب التحالف من أحل العدالة والديمقراطية / حركة التجديد، وتكتل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم قبل أن يلتحق الحزبان الأخيران به، وقد اختتم هذا الحوار باتفاق موقع بين الطرفين، عادت بعض أحزاب المعارضة بعيد الانتخابات لاتهام الحكومة بالالتفاف عليه، وعدم الوفاء بمقتضياته.

       وقد أنتجت هذه الانتخابات، واتفاقها الجزئي، خلافا حادا مع ظهور نتائجها، واتهم الحزب الحاكم بتزويرها، وهي اتهامات أطلقتها العديد من الأحزاب المنضوية في الأغلبية، فضلا عن أحزاب المعارضة.

       وكان هذا التصعيد فرصة لإطلاق مسار حوار جزئي جديد، حدد هدفه في البداية في التوصل إلى حل للخلاف الناجم عن نتائج الانتخابات النيابية والجهوية والبلدية، والتي عرفت "اختلالات ونواقص ندد بها جزء كبير من الطبقة السياسية، مطالبا بإصلاح النظام الانتخابي"، غير أن هذا المسار تحول إلى شراكة واتفاق بين الحزب الحاكم وحزبي تكتل القوى الديمقراطية، واتحاد قوى التقدم، برعاية من وزارة الداخلية، وأنتج وثيقة عرفت باسم "الميثاق الجمهوري"[4].

        وحددت الوثيقة هدف الاتفاق في "إرساء تفاهم سياسي، وطني، جمهوري وديمقراطي، يُدعى «الميثاق الجمهوري»، مفتوح أمام جميع الاحزاب السياسية الرّاغبة في الانضمام إليه، من أجل تنفيذ الإصلاحات المذكورة"، والتي تتصدرها "تقوية اللحمة الاجتماعية، والحفاظ على الوحدة الوطنية، من خلال العمل على القضاء على ما تبقّى من ممارسات الرّق ومخلفاته وتسوية ملفات حقوق الإنسان وكافة المظالم العالقة، والإصلاح الضروري لمؤسسات الدولة مع الاستجابة للحاجة الماسة في إرساء الحكم الرشيد، إضافة إلى تحسين الظروف المعيشة للمواطنين، وذلك بتمكينهم من خدمات عامة ناجعة، خاصة فيما يتعلّق بالأمن والتوظيف والصحة والتعليم".

       وكان حظ هذه الوثيقة من التطبيق محدودا جدا، إذا سرعان ما تجاوزتها الأحداث، واتهمت بعض الأطراف المشاركة فيها الحكومة والحزب الحاكم بالتملص منها، قبل أن تدهم الانتخابات الرئاسية (يونيو 2024) الجميع، وتنشغل الأطراف السياسية بخوض غمار السباق الرئاسي.

       ومع نهاية مأموريته الأولى، وترشحه لمأمورية ثانية، اعتمد الرئيس محمد ولد الغزواني خطابا أكثر صراحة وتقدما تجاه الحوار، حيث أكد خلال خطاب افتتاح الحملة عزمه تنظيم "حوار أو تشاور شامل خلال المأمورية المقبلة"، كما تحدث في مقابلة إعلامية[5] له خلال الحملة عن اعتماد أسلوب جديد قوامه التهدئة السياسية والحوار والتواصل في إدارة المشهد السياسي، داعيا جميع الأطراف الوطنيّة إلى اعتماد هذا الأسلوب بدل القطعية.

       وفي خطابه بمناسبة ذكرى الاستقلال نوفمبر [6]2024، تحدث ولد الغزواني عن اتخاذهم "الحوار، والتشاور، والانفتاح على جميع الفرقاء، أساسا لنهجنا في تدبير الشأن السياسي بل والشأن العام عموما"، مردفا أن استطاع أن يعيد "الساحة السياسية، إلى ما يقتضيه، بطبيعته، نظام ديمقراطي سليم، من حصر الاختلاف، وتباين الآراء، والتنافس، في إطار من المسؤولية الأخلاقية، والالتزام الأدبي، وتغليب الصالح العام".

       وتعهد ولد الغزواني في ذات الخطاب بأن يبدأ في "الأشهر المقبلة" تنفيذ هذا الالتزام وتجسيد تلك القناعة عبر الاتصال بمختلف الأطراف السياسية، من مولاة ومعارضة، للتشاور حول أنسب السبل للتحضير الجيد لحوار يطال كل القضايا الكبرى وخصوصا ما تعلق منها بتعزيز الوحدة الوطنية والانسجام المجتمعي، وترسيخ النظام الديمقراطي.

       وفي مارس 2025، وبمناسبة إفطار رمضاني في القصر الرئاسي، اتخذ الرئيس محمد ولد الغزواني أول خطوة عملية في مسار الحوار السياسي الجديد، حيث أعلن بحضور ممثلين عن أغلب القوى السياسية في البلاد تعيين السياسي موسى افال، منسقا للحوار، وطلب من القوى السياسية تقديم تصوراتها له.

 

مسار بطيء وعودة لنفس المربع

       وخلال الأشهر السبعة الماضية، تبادل المنسق الجديد وثائق مع عدد من القوى السياسية، كما استقبل في مقره فعاليات سياسية ونقابية ومجتمعية مختلفة، سلمت كلها رؤاها ومقترحاتها بخصوص مواضيع الحوار، وآلياته، وأمده، وضمانات تنفيذه.

       فيما أعلن المنسق في أول مؤتمر صحفي له في إبريل 2025 عدم استعجاله في تنظيم الحوار قبل منح الوقت اللازم لإكمال التحضيرات له، والنقاش مع كل الأطراف المعنية به.

       وعاد موسى افال في مؤتمر صحفي منتصف يونيو ليعد باكتمال تحضيرات الحوار خلال ثلاثة إلى أربعة أسابيع على الأكثر، ومع نهاية هذا الأجل راسل الأحزاب السياسية بوثيقة تتضمن "ملخصا أوليا مؤقتا لخارطة الطريق التي من المقرر أن تحدد مجمل مسار سير الحوار الوطني"، وحدد لهم أجل 15 يوما لتلقي ردودهم وملاحظاتهم عليها، غير أن المنسق مدد هذا الأجل عمليا، حيث أنه تسلم من لجنة فنية من المعارضة مقترحها لخارطة طريق الحوار بتاريخ: 24 سبتمبر 2025

وفي يوم 13 أكتوبر 2025 سلم موسى افال لرئيس الجمهورية تقريرا يضم رؤى ومواقف الأحزاب السياسية والقوى الوطنية بشأن الحوار الوطني المرتقب، وفق ما جاء في بيان للرئاسة وصفت فيه هذه الخطوة بأنها "نهاية المرحلة الأولى من التحضيرات للحوار الوطني الجامع، الذي تعهّد به فخامة رئيس الجمهورية"[7]

       وقد واجه الحوار السياسي نفس المأزق الذي واجه الحوارات السابقة خلال عقد ونصف تقريبا، وهو انقسام القوى السياسية المعارضة إزاءه، بين مشارك باندفاع وحماس، ومقاطع بشكل ما، وهو أمر أثر ويؤثر على مصداقية الحوار، وأهدافه، ويضعف الرهانات عليه في التوصل إلى إجماع وطني حول المواضيع الإشكالية، والأولويات الوطنية.

       فحتى الآن، ما زال المرشح الرئاسي السابق بيرام الداه اعبيد – والذي حل ثانيا في آخر انتخابات رئاسية –  والائتلاف الداعم له، يبدي تحفظه على الحوار السياسي، ويواكب مختلف مستجداته بإبداء موقف سلبي منها، كما اشترطت بقية المعارضة إجراءات تمهيدية كإطلاق سراح سجناء الرأي، وترخيص الأحزاب التي استكملت الإجراءات تحضيرا لتنظم الحوار.

 

سيناريوهات الحوار المرتقب

وفي ظل هذ الواقع، ومراوحة قطار الحوار السياسي لمحطته الأولى، تبرز سناريوهات عدة لمستقبل هذا الحوار، بين تفاؤل محفوف بمخاطر عديدة، وتخوف من فشل مزمن، أو تكرار لتجارب الحوارات الجزئية السابقة.

فيما يتوقع أن يتأثر هذا الحوار بعدة عوامل، كالانقسام داخل الطبقة السياسية، سواء داخل مكون المعارضة، أو في صفوف الموالاة، وكذا اقتراب الاستحقاقات الانتخابية سواء النيابية والجهوية والبلدية 2028، أو الرئاسية 2029، ذات الخصوصية الكبيرة في السياق الموريتاني.

ويمكن بناء على المسار آنف الذكر، وتجارب الحوارات السابقة، تصور ثلاث سناريوهات لهذا الحوار:

السيناريو الأول: تنظيم حوار شامل وناجح:

        ويقتضي هذا السناريو تنظيم حوار سياسي بمشاركة كل القوى السياسية والمجتمعية في البلاد، وبأجندات تشمل كل الإشكاليات الوطنية؛ اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، بما يضمن إعادة بناء توافقية لمنظومة الحكم في البلاد، ويعزز الوحدة الوطنية، ويصلح المنظومة الانتخابية، ويدعم الحكم الرشيد، ومحاربة الفساد، ويطور الاقتصاد، ويعالج الإرث الإنساني.

ويفضي هذا الحوار إلى نتائج واضحة ومحددة، ومتفق عليها، ومخطط تنفيذي زمني محدد، وآلية متابعة دقيقة وتشاركية، وتقوم على ضمانات سياسية وقانونية.

ويساعد هذا السناريو الإرادة المكررة من الرئيس محمد ولد الغزواني، والدعم المعلن من كتلة الموالاة الداعمة له، والتجاوب أو المرونة من غالبية المعارضة، وإمكانية إيجاد ضغط إعلامي وشعبي ومجتمعي دافع للمشاركة في الحوار.

وبشكل محدد، يدعمه أن الموقف المعلن لغالبية القوى السياسية في البلاد موالاة ومعارضة هو الموافقة على مبدئه، والاستعداد للمشاركة فيه، باستثناء "ائتلاف المعارضة المنافحة للنظام"، الذي يقوده بيرام الداه اعبيد، فغالبية أحزاب المعارضة خلصت بعد عدة اجتماعات إلى الاتفاق على المشاركة في الحوار مع تقديم بعض المطالب، واقتراح بعض الممهدات لإنضاج الأجواء لإنجاح الحوار.

       ويقف في وجه هذا السناريو اهتزاز الثقة بين عدد من الفرقاء السياسيين في الموالاة والمعارضة، وداخل كل واحدة من الكتل، وعدم رغبة بعض الأطراف في نقاش بعض ملفات الحوار، دون امتلاك شجاعة إعلان هذا الموقف، وظلال تجارب الحوار السابقة، وتكرار السلطة لسناريو تجيير نتائجها لصالحها، والتملص من الخلاصات والنتائج التي لا تخدمها.

       وسيثمر هذا السناريو في حال حصوله المزيد من الثقة بين مكونات المنظومة السياسية، وتوفير قاعدة صلبة لاستقرار سياسي متوسط إلى طويل المدى، وتحسين صورة البلاد والمنظومة داخليا خارجيا، وزيادة حصانتها في وجد التهديدات الأمنية الداخلية والإقليمية.

السيناريو الثاني: حوار جزئي وبتأثير محدود:

        وقد يكون هذا السناريو هو الأقرب أو الأرجح في ظل المعطيات والظروف الحالية، وذلك في ظل استمرار أجواء الشكوك بين النظام والمعارضة بخصوص مواضيع الحوار، وجهة الإشراف عليه، وآليات متابعة تنفيذه.

       كما سيساهم في مقاطعة بعض الأطراف السياسية له تغليبها للحسابات الانتخابية والحزبية على المصالح الوطنية، والبحث عن حلول بنيوية للإشكالات الوطنية الكبرى.

       وبالتأكيد، ستلقي التجارب السابقة للحوارات، ونتائجها الجزئية، والانتقائية الكبيرة في تنفيذ هذه النتائج، بظلالها على الحوار الجديد، وربما يدفع بعض القوى المعارضة لمقاطعته.

       ووفق هذا السناريو يتوقع أن تشارك كل الأحزاب المنضوية في الأغلبية، وبعض المعارضة، في تكرار لتجربة حوارات 2012، و2016، وغيرهما.

       كما يمكن أن يطال التجزيء مواضيع الحوار، كأن يقتصر أو يركز على مواضيع محددة، سواء بالاقتصار على موضوع المنظومة الانتخابية (قانون الأحزاب – قانون الانتخابات)، واستبعاد مواضيع أخرى كانت على أجنداته كموضوع الاسترقاق، والإرث الإنساني، ومنظومة الحكامة الرشيدة ومحاربة الفساد، والعدالة في توزيع الثروات، وواقع الخدمات الأساسية في البلاد، وموقع ودور المؤسسة العسكرية في الحكم، أو العكس، بالتركيز على هذه المواضيع الأخيرة، واستبعاد موضوع المنظومة الانتخابية.

       كما أن هذا الحوار الجزئي قد يفضي في ظل غياب الأطراف الحدية عنه ومقاطعته له إلى خلاصات كبيرة، لكنها فضفاضة، وغير محددة بدقة، مع غياب آليات متابعة واضحة قانونية وسياسية.

       وفي حالة جرى الحوار وفق هذا السناريو، فستكون النتيجة تحقيق تحسينات جزئية، وتجاوز أو تجاهل إشكالات بنيوية، وقضايا وطنية كبرى، مع تحول الحوار من أداة لجسر الهوة من الأطراف السياسية، وإيجاد مساحة إجماع، أو قائمة مشتركات أكثر، إلى أداة لتجذير وتوسيع الانقسام السياسي، وزيادة الهوة بين مكونات المشهد السياسي الوطني.

السيناريو الثالث: تعثر أو فشل الحوار:

       وهذا السناريو يظل واردا، ضمن سناريوهات الحوار المتوقعة، في ظل إعلان ائتلاف سياسي معارض بقيادة المرشح الرئاسي بيرام الداه اعبيد مقاطعته له، وتقديم بقية المعارضة لشروط أو مطالب تمهيدية قابلة لأن تشكل مفجرا لمرحلة تحضير الحوار، كاشتراط إطلاق سجناء الرأي، وما يمكن أن يحدث من خلاف حول طبيعتهم، وكذا اشتراط ترخيص الأحزاب السياسية التي استكملت الشروط، وإن كان أخف من سابقه.

       كما يدعمه ضعف أو انعدام الثقة المتبادل، وكثرة توظيف الأنظمة المتعاقبة للحوار في هندسة المشهد السياسي، وتكرار استخدامها له كأداة لكسب الوقت، أو تحسين صورتها خارجيا، أو لزيادة شقة الخلاف بين مكونات المعارضة، بدل استخدامه كأداة لزيادة مساحة الإجماع الوطني، وتوسيع المشتركات، وتحصين البلد من الهزات الداخلية والخارجية.

       ويساهم في دعم هذا الخيار غياب أي ضغوط شعبية أو إعلامية أو إقليمية للدفع باتجاه الحوار، بل يكاد يكون العكس هو الحاصل، وهو وجود مزاج شعبي عام لديه مواقف سلبية من الحوار بسبب تجاربه السابقة غير الناجحة.

       وفي حال تعثر الحوار أو فشله، فسيكون من الوارد تصاعد التوتر بين مكونات المشهد السياسي، وقد ترتفع وتيرته مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، كما قد ينجح النظام جزئيا – ولو إلى حين – في إبقاء حالة الهدوء السياسي القائمة منذ استلامه للسلطة 2019، مع بقاء التباينات حول الملفات الوطنية الكبرى عالقة.

 

[1] . نقلت صحراء ميديا عن ولد الوقف قوله في أول خطاب له إن وتيرة التشاور تتطلب "السرعة" لأنه قد يسفر عن قرارات وإجراءات، يتطلب تطبيقها المرور عبر مجلس الوزراء والبرلمان، والانتخابات أصبحت على الأبواب، ولكنه عاد ليقف أمام الصحفيين بعد أسابيع، ليعلن أنه من أجل أن يكون التشاور شاملا فإنه يتطلب "السير ببطء" https://saharamedias.net/188278/

 

[2] . برر رئيس الحزب الحاكم – حينها – سيدي محمد ولد الطالب أعمر بقوله إن "الأهداف التي رسمت وحددت أصلا له لم تعد مضمونة التحقق، وبالتالي فإنه من الأولى توقيفه إلى أن تكون الظروف مواتية لعدم استثناء أي موضوع أو أحد".

https://web.facebook.com/alakhbar.info/posts/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%83%D8%B4%D9%88%D8%B7-%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AD%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%87%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D9%88%D9%84%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A8-%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%B1-/5657700837587254/?_rdc=1&_rdr#

[3] . رغم أن ولد الوقف، أكد في المؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه تعليق التشاور إلى أجل مسمى، أن "تعليق التشاور لا يعنى إلغاءه وإنما إعادة الكرة إلى الطيف السياسي للاتفاق على مسار شامل يشمل جميع الأطراف بدون استثناء"، إلا أن الواقع كان يعني نهاية ذاك المسار، وإقالة ولد الوقف من المنصب الذي تولى بموجبه تنسيق التشاور، وهو الأمانة العامة للرئاسة حول في تعديل حكومي جزئي وزيرا للزراعة بعد نحو ثلاثة أشهر من تعليق التشاور.

 

[4] . لمطالعة نص الاتفاق من موقع الوكالة الرسمية: https://www.ami.mr/archives/173051

[5] . يمكن مطالعة نص المقابلة على هذا الرابط: https://alakhbar.info/?q=node/54592

[6] . لمطالعة نص الخطاب: https://www.ami.mr/archives/213883

[7] https://www.ami.mr/archives/240823