العدد الثاني من التقرير الاستراتيجي لموريتانيا

عبر سنة كاملة وتزيد: انتظم فريق من الباحثين تحت إشراف خبراء وطنيين على إعداد هذا التقرير الذي لا نبالغ إذا قلنا بأنه "عمل بحثي متقدم ورائد في بلدنا" ، وهو مشروع (بحثي) نأمل له أن يتجاوز تحديات الاستمرار، وصعوبات الصدور، حتى ينتظم ويحقق الغاية المرجوة منه، والمتلخصة في رصد الحالة العامة لموريتانيا - كل سنة - من مختلف زواياها ، إسهاما في النقد الإيجابي، والتقويم الموضوعي، الذي يساعد على إدراك "الفرص" وتنميتها ، ورصد "التحديات" والنواقص ومعالجتها ، وصولا إلى تنمية شاملة ، وتقدم "مدروس".. بمنهج علمي يتحرى التجرد والموضوعية ، ويُضيف إلى السرد -الذي يعيد أحداث الفترة المدروسة - التحليل الذي يكشف العوامل التي أثرت على مجرى الأحداث ، والاستشراف الذي يعين على فهم المآلات، دون أن يكون من غايته رسم التطورات المحتملة.

 

وهكذا وعبر عشرة محاور كاملة تمثل بمجموعها إطلالة عامة على الوطن وشؤونة (نظاما ومجتمعا)، انتظمت مادة هذا التقرير، الذي لا يستطيع أن يُدرك حجم الجهد الذي بذل فيه ، بدءً من إحكام خطته ومنهجيته العلمية.. إلى جمع معطياته ومعلوماته المتشتتة ، فمعالجتها وتنظيمها ... إلى تحريره وتنسيقه ومراجعته ، فتصفيفه وتنظيمه وطباعته.. نقول: لا يستطيع أن يدرك قيمة وصعوبة هذا المجهود إلا من شارك فيه وعاناه فعلا.

وقد كانت جلسات العرض والمراجعة بحضور مستشاري التقرير وبقية أعضاء الفريق البحثي : من أصعب وأدق محطات إنجاز هذا التقرير، إذ ربما تقدم أحد الباحثين بحصيلة شهر أو شهرين من العمل البحثي الدؤوب، ورجع بصفحات من الملاحظات التي ربما أنت على الموضوع المقدم من أصله، وأعادت صاحبه إلى البداية. ونذكر بهذا الخصوص أن بعض محاور هذا التقرير كتب عدة مرات، قبل أن يستقر على النحو الذي يرضى عنه الفريق.

وقد جاءت محاور التقرير - تباعا وبهذا الترتيب - على النحو التالي:

- المحور السياسي
- المحور المؤسساتي: (المؤسسات الدستورية وشبه الدستورية)

- المحور الدبلوماسي والجيوستراتيجي
- المحور الاقتصادي
- المحور الاجتماعي
- محور التعليم
- المحور الديني
- المحور الثقافي
- محور الشفافية والحكامة
- محور الحريات وحقوق الإنسان

وقد ظهر التقرير - في النهاية - في منهجية أردنا لها أن تكون استمرارا لنفس المنهجية التي سار عليها التقرير الأول ، ولكن مع بعض التطوير الذي أرشدت إليه التجربة ، والتوسع الذي اقتضاه الوضع الحالي فلم يبتعد التقرير الثاني كثيرا عن المقاربة التي اعتمدت في التقرير الأول، وإن كان حرص على أن يكون تناوله أكثر تجردا وابتعادا عن الأحكام الجاهزة ، كما توخى أن يحيط في تناوله بجوانب من "الحياة العامة لم يتطرق لها التقرير السابق، كما سيلاحظ من المقارنة بين  عناوين ومحاور التقريرين.

ورغم ما بذلناه من جهود في تطوير هذا الإصدار الثاني من التقرير، إلا أننا لا ندعي أنها تجاورت كل الإشكالات العلمية والمنهجية والفنية المرتبطة به ، راجين أن يكون بالفعل أفضل من سابقه وفاتحة تطوير أحسن للاحقيه.. ودعوتنا صادقة لكل المهتمين والمعنيين أن يمدونا بملاحظات وأن يرشدونا إلى ما في هذا التقرير من نواقص وأخطاء لنتداركها في إصداراته القادمة.

 

بين التقرير الاستراتيجي، والتقرير العام الموريتانيا

صدر العدد الأول من هذا التقرير حاملا اسم: "التقرير الاستراتيجي الموريتانيا" ، وله دعتنا دواع "ذاتية " أكثر منها في الواقع علمية أو موضوعية ، إلى تحوير اسمه هذا العام إلى "التقرير العام الموريتانيا" ، وذلك مسايرة لبعض الملاحظات والآراء التي وردتنا من بعض القراء والمهتمين، حيث رأوا في كلمة "استراتيجي" التي حملها التقرير الماضي، ما تحيل إلى الاستشراف والتخطيط للمستقبل، وهو ما لا يعكسه هذا التقرير، ولا يريد أن يعكسه أصلا.

ورغم هذا الانصياع الذي نرتاح له ما دم يحقق رغبة القراء، ويتماشى مع رأي بعض الخبراء في المواءمة بين عنوان التقرير ومضمونه ، وما دام كذلك يرفع لبساً، أو يدفع وهما قد يتطرق إلى ذهن قارئ التقرير ومتلقيه ؛ رغم هذا ، إلا أننا نلفت الانتباه إلى أن "التقرير الاسترتيجي" هو الاسم الذي درجت عليه جل المؤسسات البحثية المماثلة في أعمالها المشابهة ، بما في ذلك مؤسسات ومراكز عربية وغربية معا.

كما أن كلمة "التقرير" وما تقتضيه في الاصطلاح البحثي من منهجية تقتصر على الوصف والإحاطة (المعلوماتية) فحسب كفيلة بأن تكبح جماح ما قد تحيل إليه ذهنيا كلمة "استراتيجي" من معانٍ تتجاوز هذا النطاق ؛ فكلمة (استراتيجي) هنا متأتية من موضوع التقرير (وصف الحالة العامة للأمة في لحظة معينة من مختلف جوانبها الحيوية) ، وليس من مضمونه (طبيعة وكيفية تناوله للمواضيع التي تطرق إليها).

ويقودنا هذا إلى الإعراب عن أن المركز - على غرار نظرائه - يتبنى المفهوم الواسع لـ "الاستراتيجيا"، الذي يقوم على اعتبارها تحريك وتوجيه مجموع إمكانات وقدرات الأمة لتحقيق مجمل أهدافها القومية ، دون الاقتصار على دراسة الجوانب الأمنية الضيقة التي كانت تمثل المفهوم القديم للاستراتيجيا. وهكذا فإنه من صميم اهتمامات المركز البحثية : دراسة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعلمية.. إلى جانب المجالات السياسية والأمنية.. دراسة "علمية" في الحاضر أو في المستقبل، سواءً ؛ فكل ذلك في مفهومنا يعتبر بحثا "استراتيجيا"