قراءة في كتاب: «النزاع في مالي وتداعياته على موريتانيا: دراسة في الجذور والتحولات»

 

*بقلم / أحمد حيدرا

باحث من دولة مالي مهتم بتحليل الظواهر الدينية والاجتماعية في منطقة الساحل والصحراء

تنطلق هذه القراءة التقويمية الأولية _ لكتاب: «النزاع في مالي وتداعياته على موريتانيا: دراسة في الجذور والتحولات» الصادر عن المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية _ من أهمية الموضوع الذي يتناوله الكتاب، ومن الحاجة إلى مزيد من الدراسات التي تبحث في تداعيات الأزمة المالية على موريتانيا، بالنظر إلى التشابك الجغرافي والأمني والاجتماعي والاقتصادي بين البلدين.

أولًا: أهمية موضوع الكتاب
يكتسب الكتاب أهمية خاصة من طبيعة الموضوع الذي يتناوله، إذ يمثل النزاع في مالي أحد أبرز التحديات الأمنية والاستراتيجية في منطقة الساحل خلال العقود الأخيرة. ولم يعد هذا النزاع شأنًا ماليًا داخليًا، بل أصبح ظاهرة إقليمية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها عوامل سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية وإثنية، فضلًا عن تنامي نشاط الجماعات المسلحة وتغير أنماط التدخلات الإقليمية والدولية.
وتزداد أهمية الموضوع بالنسبة لموريتانيا تحديدًا، بحكم طول الحدود المشتركة، والتداخل الاجتماعي والاقتصادي بين السكان، وتشابك المصالح الأمنية، إضافة إلى كون موريتانيا جزءًا من المجال الجيوسياسي لمنطقة الساحل.
ومن هذه الزاوية، فإن اختيار المؤلف لموضوع تداعيات النزاع المالي على موريتانيا يعد اختيارًا موفقًا، لأنه يسلط الضوء على قضية ذات صلة مباشرة بالأمن الوطني الموريتاني وبموقع البلاد داخل محيطها الإقليمي.

ثانيًا: القيمة العلمية للكتاب
يُحسب للمؤلف أنه لم يقتصر في عنوان الكتاب ومقاربته على دراسة الوضع الراهن في مالي، وإنما حاول الجمع بين الجذور والتحولات والتداعيات. وهذه المقاربة، من حيث المبدأ، تسمح بفهم الأزمة في سياقها التاريخي والسياسي، بدل اختزالها في بعدها الأمني والعسكري فقط.
كما أن الربط بين تطورات النزاع في مالي وانعكاساته على موريتانيا يمثل عنصرًا مهمًا في بناء دراسة ذات قيمة استراتيجية، خصوصًا إذا تمكن الكتاب من الانتقال من وصف الأحداث إلى تفسيرها وتحليل مساراتها واستشراف نتائجها المحتملة.وهو ما فعله الكاتب بطبيعة الحال.

ثالثًا: الملاحظات الموضوعية
على الرغم من أهمية المقاربات التي قدمها المؤلف في محاولة دراسة موضوع الكتاب، فإن الباحث يسجل بعض الملاحظات الموضوعية على عدد من القضايا التي تناولها، والتي يرى أنها تستحق مزيدًا من التفسير والمراجعة، بالنظر إلى ما قد يترتب على بعض التفسيرات من نتائج في فهم طبيعة النزاع المالي وجذوره التاريخية والاجتماعية.
 

1.جذور الصراع في مالي
يميل المؤلف إلى اختزال جذور الصراع في مالي في مسألة التهميش التاريخي لشمال البلاد، الذي يقطنه عدد من المكونات السكانية، وفي مقدمتها الطوارق والعرب، منذ استقلال مالي سنة 1960. ولا شك أن التهميش والسياسات التي اتبعتها الحكومات المركزية تجاه المناطق الشمالية تمثل أحد العوامل المهمة في تفسير التوترات والتمردات التي شهدتها البلاد، غير أن الباحث يرى أن اختزال جذور الصراع في هذا العامل وحده لا يوفر تفسيرًا تاريخيًا واجتماعيًا كافيًا لطبيعة الأزمة.
فجذور التوتر في المنطقة تعود، في تقدير الباحث، إلى فترة أسبق من قيام الدولة المالية الحديثة، وترتبط بتاريخ المنطقة خلال عهود الممالك والإمبراطوريات التي تعاقبت عليها، وبطبيعة العلاقات التي تشكلت تاريخيًا بين المكونات الطوارقية وبين مراكز السلطة السياسية.

كما أن مقاربة الصراع من زاوية ثنائية «الشمال المهمش» مقابل «الجنوب أو المركز المهيمن» تحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق؛ إذ إن التركيبة السكانية لشمال مالي أكثر تنوعًا وتعقيدًا من اختزالها في مكوني الطوارق والعرب. فإلى جانب الطوارق والعرب، يحضر في المنطقة مكون السنغاي بصورة أساسية، فضلًا عن مكونات أخرى، وهو ما يجعل الحديث عن «سكان الشمال» باعتبارهم كتلة إثنية واحدة، أو تصوير الطوارق والعرب باعتبارهما يمثلان غالبية سكان المنطقة بصورة مطلقة، بحاجة إلى مزيد من الدقة والتوثيق الديمغرافي والتاريخي.

ومن ناحية أخرى، فإن السياسات التي اتبعتها الدولة المالية في السنوات الأولى للاستقلال، ولا سيما الإجراءات التي اتخذتها حكومة الرئيس موديبو كيتا تجاه المناطق الشمالية، لا يبدو أنها كانت موجهة إلى الطوارق باعتبارهم جماعة إثنية على وجه الخصوص، وإنما ارتبط جزء منها بسياسات الدولة تجاه سكان المناطق الشمالية، وخاصة المجتمعات الرعوية، وما رافق ذلك من محاولات لإعادة تنظيم المجال الرعوي وإخضاعه لسلطة الدولة المركزية.
ومن ثم، فإن التمرد الذي اندلع في ستينيات القرن الماضي يمكن النظر إليه باعتباره نتاجًا لتفاعل عدة عوامل، من بينها السياسات المركزية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، والتحولات التي أعقبت الاستقلال، فضلًا عن الإرث التاريخي للعلاقة بين السلطة المركزية والمجتمعات الصحراوية. كما لا ينبغي عزله عن سياق تاريخي أوسع، إذ يمكن النظر إليه باعتباره حلقة ضمن سلسلة من التوترات والتمردات التي طبعت العلاقة بين بعض المجتمعات الصحراوية والسلطات المركزية المتعاقبة في المنطقة.
وفي هذا السياق، يرى الباحث أن التفسيرات التي تُرجع النزاع بصورة أساسية إلى «التهميش الإثني» تحتاج إلى قدر من المراجعة، ليس من حيث إنكار مظاهر التهميش وعدم التوازن التنموي، وإنما من حيث اعتبارها العامل التفسيري الوحيد أو المركزي لجذور الصراع. فالتاريخ السياسي للمنطقة، وطبيعة الدولة الحديثة، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، والعلاقة بين المركز والأطراف، إضافة إلى التحولات التي عرفها المجال الصحراوي، كلها عوامل ينبغي أن تدخل ضمن إطار تفسيري أكثر شمولًا.
وقد تناول الباحث هذه المسألة بمزيد من التفصيل في مقاله المنشور بعنوان: «أزمة مالي من الداخل: جذور الصراع التاريخية والاجتماعية وإشكالية السردية الإعلامية»، ويمكن الرجوع إليه للمزيد من التفصيل والتوثيق حول هذه النقطة.
وعليه، يقترح الباحث إعادة النظر في هذا الجزء من الدراسة بما يسمح بتقديم تفسير أكثر تركيبًا لجذور الصراع في مالي، يجمع بين العوامل التاريخية والاجتماعية والسياسية والإثنية والتنموية، بدل اختزال الأزمة في ثنائية التهميش التاريخي لشمال البلاد مقابل السلطة المركزية.
 

 

2. خريطة الأطراف المتنازعة وداعموها
في معرض ترسيمه لخريطة النزاع في مالي، يقسم المؤلف أطراف الصراع إلى أربعة مكونات رئيسية، هي: البمباري، والطوارق، والفلان، والعرب، ويقدم البمباري باعتبارهم المكوّن الذي يمثل العمود الفقري لمؤسسات الدولة والجيش، في مقابل المكونات الأخرى التي انخرطت، بدرجات متفاوتة، في الحركات المسلحة المناوئة للدولة المركزية. ويبدو أن المؤلف يفسر القاسم المشترك بين هذه المكونات في مواجهتها للدولة المركزية بكونها تنظر إلى الدولة باعتبارها تعبيرًا سياسيًا وعسكريًا عن هيمنة المكوّن البمباري.
ويلاحظ الباحث أن هذه المقاربة تحتاج إلى قدر من المراجعة؛ إذ إن الخلل الأساسي في هذا التصنيف يتمثل في الربط بين الحركات المسلحة والمكونات الإثنية التي تنتمي إليها، بما يوحي بأن كل حركة مسلحة تمثل بالضرورة الجماعة الإثنية التي تنتسب إليها. كما أن تصوير الدولة المركزية ومؤسساتها باعتبارها ممثلة لمكوّن إثني واحد لا يعكس بصورة كاملة تعقيدات المشهد السياسي والعسكري والاجتماعي في مالي.

ولا شك أن للمكوّن البامباري، وبصورة أوسع للمجال الماندينغي، وزنًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا مهمًا داخل الدولة المالية، إلا أن ذلك لا يعني أن الدولة ظلت مغلقة إثنيًا أو أن مؤسساتها كانت مجرد تعبير سياسي عن هيمنة مكوّن إثني واحد. وتكشف تركيبة النخب الحاكمة، بما فيها أعلى مستويات السلطة، عن قدر معتبر من التداخل الإثني والتحالفات العابرة للمكونات. فقد وصل إلى رئاسة الجمهورية شخصيات تنتمي إلى خلفيات إثنية ومناطقية مختلفة؛ ومن ذلك أمادو توماني توري، المنحدر من وسط مالي وذي خلفية فولانية، الذي تولى رئاسة الجمهورية في فترتين.

وينطبق الأمر كذلك على النخب الحكومية والإدارية، حيث شغل عدد من الشخصيات المنحدرة من المكوّن الطوارقي مناصب سياسية وإدارية رفيعة في الدولة. ومن أبرز الأمثلة أحمد محمد أغ حماني، الذي تولى رئاسة الحكومة في عهد أمادو توماني توري، فضلًا عن شخصيات طوارقية أخرى تولت حقائب وزارية ومناصب عليا في الإدارة والدبلوماسية ومؤسسات الدولة.
ومن ناحية أخرى، فإن عدم دقة اختزال النزاع في ثنائية إثنية بين «الدولة البامبارية» و«المكونات المهمشة» يتضح بصورة أكبر عند النظر إلى طبيعة الحركات المسلحة نفسها. ففي مقابل الحركات الأزوادية التي ينشط فيها الطوارق ، ظهرت حركات وميليشيات مسلحة من الطوارق أنفسهم اختارت الوقوف إلى جانب الدولة أو التعاون معها. ومن أبرز الأمثلة GATIA (Groupe d’Autodéfense Touareg Imghad et Alliés)، أي «مجموعة الدفاع الذاتي للطوارق إيمغاد وحلفائهم»، التي مثلت نموذجًا واضحًا على أن الانتماء الطوارقي لم يكن محددًا آليًا للموقف من الدولة المركزية.
وينطبق الأمر كذلك على المكوّن الفولاني؛ إذ لم ينخرط جميع الفاعلين الفولانيين في الحركات المناوئة للدولة، بل ظهرت تنظيمات وفاعلون مسلحون اتخذوا مواقف مختلفة، ومن أمثلتها Coordination des Mouvements Armés Peulhs du Centre du Mali، بما يعكس تعدد المواقف داخل البيئة الفولانية نفسها وعدم إمكان التعامل معها باعتبارها كتلة سياسية أو عسكرية متجانسة. ويضاف إلى ذلك وجود فاعلين وحركات من المكوّن العربي اختاروا دعم الدولة المركزية أو التعاون معها في مواجهة خصومها المسلحين.
وتكشف هذه الأمثلة أن الانتماء الإثني لا يساوي بالضرورة موقفًا سياسيًا أو عسكريًا موحدًا؛ فالمكوّن الواحد قد ينقسم بين مؤيد للدولة، ومعارض لها، ومحايد، أو متحالف معها بصورة ظرفية وفقًا للمصالح المحلية والجهوية والسياسية. وبناءً عليه، فإن الأدق، في تقدير الباحث، ألا يُنظر إلى الحركات المسلحة باعتبارها ممثلًا تلقائيًا للمكونات الإثنية التي تنتمي إليها، وألا تُختزل الدولة المالية بدورها في مكوّن إثني واحد.

ومن المهم كذلك التوقف عند التحول الذي طرأ على طبيعة التمردات الطوارقية عبر الزمن. فالتمردات التي شهدتها البلاد منذ ستينيات القرن الماضي، وصولًا إلى تسعينيات القرن الماضي، نشأت في سياقات سياسية واجتماعية محلية، ورفعت مطالب تتعلق بالعلاقة مع الدولة المركزية وبأوضاع المناطق الشمالية وبطبيعة إدارة السلطة لهذه المناطق.

غير أن تطورات سنة 2012 مثلت، في تقدير الباحث، نقطة تحول حاسمة في طبيعة التمردات الشمالية وفي النظرة إليها؛ إذ لم تعد الحركات الانفصالية تتحرك في سياق محلي منفصل عن بقية الفاعلين، وإنما دخلت في تحالفات وتفاهمات معلنة مع الجماعات الجهادية، الأمر الذي أفقدها، إلى حد كبير، الصورة التي كانت تتمتع بها لدى بعض الأطراف باعتبارها حركات ذات مطالب سياسية محلية مرتبطة بأوضاع الشمال. وقد كان لهذا التقارب أثر بالغ في تمكين الجماعات الجهادية من السيطرة على مساحات واسعة من شمال مالي، وفي إضعاف سلطة الدولة وانهيار منظومتها الأمنية في المنطقة. ومن ثم، فإن أحداث 2012 لا تمثل مجرد مرحلة جديدة في النزاع المالي، بل تشكل لحظة مفصلية في تشكل البيئة الأمنية التي أفرزت لاحقًا الأزمة الجهادية الممتدة في مالي ومنطقة الساحل. وهو ما جعل الحركات الانفصالية، منذ ذلك الحين، موضع ريبة لدى قطاعات واسعة من المكونات المالية، بالنظر إلى أن تقاربها مع الجماعات الجهادية أسهم في فتح المجال أمام تمددها وترسيخ حضورها، وهي التداعيات الأمنية التي لا تزال المنطقة تعاني آثارها حتى اليوم.

 

رابعًا: مظاهر تأثير النزاع في مالي على العلاقة بين البلدين

يُعد هذا الباب من أهم أبواب الكتاب، لما يتناوله من قضايا ذات صلة مباشرة بالعلاقات الموريتانية-المالية. وقد تناول المؤلف هذه القضايا بقدر ملحوظ من الموضوعية، وحرص على عرضها وتسميتها بوضوح. وفي هذا السياق، سيكتفي الباحث بالتوقف عند بعض العوامل التي أسهمت في تصاعد التوتر بين البلدين الشقيقين، ولا سيما من زاوية النظر المالية، وذلك من خلال النقاط التالية:

 

1.موقف موريتانيا من الحركات الأزوادية
تعد هذه النقطة من أبرز أسباب التوتر التي تستحق التوقف عندها في تفسير طبيعة العلاقة بين موريتانيا ومالي خلال مراحل النزاع في شمال مالي. وقد تطرق المؤلف إلى بعض تجليات التقارب الموريتاني مع الحركات الأزوادية، وهي مسألة تستحق في تقدير الباحث مزيدًا من التفصيل؛ لما كان لها من أثر في نظرة باماكو إلى موقف نواكشوط من الأزمة المالية.
فقد برزت، خصوصًا منذ اندلاع أزمة 2012، مؤشرات واضحة على انفتاح موريتاني على بعض الحركات والفاعلين المنحدرين من شمال مالي. ومن أبرز مظاهر ذلك استضافة نواكشوط اتصالات مباشرة بين السلطات المالية الانتقالية وقيادات من الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA)؛ فقد جرت في نواكشوط، في أبريل 2012، اتصالات وُصفت آنذاك بأنها أول اتصالات رسمية بين السلطات المالية الانتقالية والحركة، وكان أحد قياداتها يقيم في موريتانيا.
كما تشير بعض الدراسات إلى وجود تقارب معلن بين نواكشوط وقيادات الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وإلى أن موريتانيا أصبحت، منذ النصف الثاني من سنة 2012، فضاءً مهمًا لوجود بعض الحركات والفاعلين القادمين من شمال مالي، ومن بينهم الحركة العربية لأزواد (MAA).

 
ومن المهم هنا التمييز بين التقارب السياسي وفتح قنوات الاتصال من جهة، والدعم العسكري أو المالي من جهة أخرى؛ إذ لا تكفي مظاهر التقارب وحدها لإثبات أن موريتانيا قدمت دعمًا عسكريًا أو ماليًا مباشرًا للحركات الأزوادية. بل إن بعض الدراسات نفسها تذهب إلى أن التقارب المعلن مع الحركة الوطنية لتحرير أزواد لم يتحول بالضرورة إلى دعم مالي أو عسكري مباشر.
غير أن مجرد احتضان هذه القنوات والاتصالات، ووجود قيادات من الحركات الأزوادية على الأراضي الموريتانية، كان كافيًا لإثارة قدر من الريبة لدى السلطات المالية، خاصة في ظل حساسية باماكو تجاه أي تعامل إقليمي مع الحركات التي تنازع الدولة على سيادتها في الشمال.
ومن ثم، فإن أهمية هذه المسألة لا تكمن فقط في السؤال عما إذا كانت موريتانيا قد دعمت هذه الحركة أو تلك، وإنما في كيفية قراءة باماكو للسياسة الموريتانية تجاه الحركات الشمالية. فحتى عندما كان التقارب الموريتاني مع بعض هذه الحركات تحكمه، من الجانب الموريتاني، اعتبارات أمنية واستخباراتية أو رغبة في امتلاك قنوات اتصال مع الفاعلين في الشمال، كان من الممكن أن يُنظر إليه في مالي باعتباره خروجًا عن الموقف الذي كانت باماكو تنتظره من دولة جارة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بحركات ذات مطالب انفصالية أو مناوئة للسلطة المركزية.
وعليه، يرى الباحث أن موقف موريتانيا من الحركات الأزوادية ينبغي أن يقرأ باعتباره أحد عناصر التوتر في العلاقة الموريتانية-المالية، ولكن ضمن سياق أوسع تحكمه اعتبارات الأمن الحدودي، ومكافحة الجماعات الجهادية، وإدارة العلاقات مع الفاعلين المحليين في شمال مالي، وليس باعتباره مجرد انحياز موريتاني إلى مشروع انفصال أزواد.

2 دور الإعلام المعارض

وفي مقابل مظاهر التوتر التي أفرزتها الأزمة المالية، حرص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، في خطابه من مدينة النعمة، على التأكيد على عمق وتجذر العلاقات الأخوية التي تجمع الشعبين الموريتاني والمالي، وعلى ما يجمعهما من روابط تاريخية واجتماعية ومصالح متداخلة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن تداعيات الحرب في مالي لا ينبغي أن تنال من هذه الروابط، مع التشديد على أولوية أمن الحدود الموريتانية.
غير أن تعقيد الأزمة لا يرتبط بالمواقف الرسمية وحدها، وإنما تسهم فيه أيضًا بعض التغطيات الإعلامية، ولا سيما تلك الصادرة عن منصات غير حكومية ذات خطاب معارض، والتي قد تتعامل مع بعض الحوادث أو حالات سوء الفهم بين البلدين بطريقة من شأنها تضخيمها وتحويلها إلى مصدر إضافي للتوتر. ويبرز ذلك، على سبيل المثال، في حادثة توقيف نحو خمسين مواطنًا موريتانيًا كانوا في طريقهم عبر الأراضي المالية إلى موريتانيا قادمين من ساحل العاج؛ فبعد أن تبين أن الأمر ناتج عن سوء تفاهم، أُفرج عنهم، غير أن بعض المنابر الإعلامية تناولت الحادثة باعتبارها تجاوزًا يستوجب موقفًا حازمًا، بما ساهم في تقديمها للرأي العام ضمن سياق أكثر توترًا من ملابساتها الفعلية.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية متابعة أوضاع المواطنين الموريتانيين في مالي، أو من حق وسائل الإعلام في مساءلة السلطات بشأن أي تجاوزات محتملة، وإنما تكمن الملاحظة في ضرورة التمييز بين نقل الوقائع كما حدثت، وبين توظيف الحوادث العابرة في تأجيج التوتر بين دولتين تجمعهما روابط تاريخية واجتماعية ومصالح مشتركة. ومن ثم، فإن الخطاب الإعلامي يظل أحد العوامل التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تحليل كيفية تعمق الأزمة الموريتانية-المالية وتحوّل بعض الحوادث المحدودة إلى قضايا ذات أبعاد سياسية وشعبية أوسع.

.2 موقف باماكو من التوتر مع موريتانيا وتعقيدات الحدود
ومن المهم، في تقدير الباحث، التمييز بين حرص السلطات المالية على الحفاظ على العلاقة السلمية مع موريتانيا وبين الحوادث التي تقع على المستوى الشعبي أو في المناطق الحدودية، والتي قد تبدو في ظاهرها مؤشرات على تصعيد بين البلدين. ويؤكد هذا الحرص تعامل السلطات المالية مع بعض مظاهر الاحتقان التي شهدتها العلاقات الثنائية؛ ففي 25 مارس 2025 حاول بعض الشباب الماليين إغلاق عدد من الدكاكين المملوكة لموريتانيين، احتجاجًا على الإجراءات القانونية التي اتخذتها السلطات الموريتانية بحق مهاجرين مقيمين بصورة غير شرعية، غير أن السلطات المالية تدخلت، وتم توقيف المعنيين ومساءلتهم، بما حال دون تحول الحادثة إلى توتر رسمي مع الجالية الموريتانية. وفي السياق نفسه، قامت السلطات المالية بعزل السيد إسحاق تراوري، رئيس الجالية المالية  في موريتانيا، بعد ظهوره الإعلامي إلى جانب معارضين للحكومة الموريتانية في انواكشوط، في أعقاب خلافه مع السلطات المالية بشأن مطالب تتعلق بمعاملة الجالية الموريتانية بالمثل. وتكشف هذه المواقف، في مجملها، عن رغبة باماكو في احتواء مظاهر الاحتقان وعدم تحويلها إلى خلاف مفتوح مع موريتانيا.

أما ما يتعلق بالاقتحامات التي تقع أحيانًا في المناطق الحدودية، فإن تفسيرها باعتبارها اعتداءً متعمدًا على الأراضي الموريتانية لا يأخذ في الاعتبار تعقيد الحدود بين البلدين والتداخل السكاني والاجتماعي فيها. فهناك قرى وتجمعات سكانية تقع بحسب الحدود الرسمية والخرائط التقنية، داخل الأراضي المالية، رغم ارتباط سكانها بموريتانيا وحمل بعضهم جنسيتها، كما أن الحركة والتعامل بين سكان جانبي الحدود ظلت تاريخيًا واسعة، بما يجعل ضبط الحدود أكثر صعوبة، خاصة في ظروف الحرب والاضطرابات.
وفي ظل الوضع الأمني في مالي، تدخلُ القوات المالية والقوات المتحالفة معها إلى بعض هذه المناطق لملاحقة عناصر الجماعات المسلحة أو الأشخاص المشتبه في تعاونهم معها، وقد يكون من بين هؤلاء أشخاص يستفيدون من التداخل الحدودي في الاختباء أو توفير الدعم اللوجستي. ولذلك، فإن دخول القوات المالية إلى هذه المناطق لا ينبغي أن يُفسر في كل حالة باعتباره استهدافًا لموريتانيا أو رغبة في المساس بعلاقاتها معها، بل قد يكون مرتبطًا بملاحقة عناصر مسلحة داخل الأراضي المالية. ومع ذلك، فإن حساسية هذه المناطق وتداخل السكان يفرضان على البلدين مزيدًا من التنسيق الميداني، حتى لا تتحول عمليات ملاحقة المسلحين إلى مصدر توتر جديد بين الدولتين.

 

خامسًا: التوصيات
في ضوء ما سبق، يرى الباحث أن التعامل مع تداعيات الأزمة المالية على موريتانيا يقتضي الجمع بين الحياد السياسي، واليقظة الأمنية، والتنسيق الحدودي، والحوار الدبلوماسي، وذلك من خلال التوصيات التالية:
1. تثبيت الموقف الموريتاني المحايد من القضية الأزوادية:
الحفاظ على موقف متوازن من مختلف أطراف النزاع المالي، وعدم السماح للحركات الأزوادية بممارسة نشاط سياسي أو عسكري من الأراضي الموريتانية، مع الاستمرار في احتواء اللاجئين وتوفير الحماية والمساعدة الإنسانية لهم، بما لا يتعارض مع الالتزامات الإنسانية لموريتانيا.
2. تعزيز اليقظة الأمنية تجاه مخاطر التطرف:
تعزيز متابعة الأوضاع الأمنية داخل تجمعات اللاجئين، بصورة فردية وقائمة على المعلومات الموثوقة، مع إيلاء اهتمام خاص للمحاظر والمؤسسات التعليمية التي تستقبل طلابًا من اللاجئين، للتأكد من عدم استغلالها في نشر الأفكار المتطرفة أو إقامة صلات مع الجماعات المسلحة.
3. متابعة النشاط المتطرف في الفضاء الرقمي:
تعزيز رصد الحسابات والمنصات التي تتضمن دعوات إلى التطرف أو العنف أو ارتباطًا محتملًا بالجماعات المسلحة، خاصة عندما تتوافر معلومات موثوقة عن إقامة أصحابها داخل الأراضي الموريتانية.
4. تعزيز التنسيق الأمني والحدودي مع مالي:
نظرًا إلى تعقيد الحدود والتداخل السكاني والاجتماعي بين البلدين، ينبغي تعزيز قنوات الاتصال المباشر بين السلطات المختصة في نواكشوط وباماكو، بما يسمح بمعالجة الحوادث الحدودية بصورة سريعة، وتبادل المعلومات حول الجماعات المسلحة والمطلوبين، والحيلولة دون تحول الحوادث الميدانية إلى أزمات سياسية بين البلدين.

5 ترشيد الخطاب الإعلامي حول العلاقات الموريتانية-المالية:
تشجيع التعامل المهني مع الحوادث الحدودية وقضايا الجالية، والتحقق من الوقائع قبل نشرها، وتجنب تضخيم حالات سوء الفهم أو تحويلها إلى صراع بين الشعبين، مع التأكيد في الوقت نفسه على حق الإعلام في المتابعة والمساءلة.
6 الدفع نحو الحوار والتهدئة بين موريتانيا ومالي:
في ضوء عمق الروابط التاريخية والاجتماعية بين البلدين، ينبغي العمل على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، ومعالجة الملفات الخلافية بالحوار المباشر، بما يمنع تراكم سوء الفهم وتحوله إلى أزمة مزمنة في العلاقات الثنائية.
7اضطلاع المركز بدور في تقريب وجهات النظر:
وفي هذا السياق، يستحضر الباحث ما ذهب إليه الدكتور الشنقيطي في محاضرته الأخيرة في موريتانيا من ضرورة التحرك لإيجاد حل سلمي للتوتر بين البلدين، انطلاقًا من حقيقة أن أمن موريتانيا مرتبط بأمن مالي، وأن استمرار التوتر لا يخدم مصالح أي منهما. ومن هذا المنطلق، يقترح الباحث أن يأخذ المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية زمام المبادرة في هذا المسار، من خلال تنظيم حوار فكري وسياسي يضم باحثين وشخصيات موريتانية ومالية، بهدف تشخيص أسباب التوتر، وتقريب وجهات النظر، واقتراح آليات عملية لإعادة بناء الثقة بين نواكشوط وباماكو.

فموريتانيا ومالي لا يجمعهما مجرد حدود مشتركة، وإنما تاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والمصالح المشتركة، ولذلك فإن أمن إحداهما لا يمكن فصله عن أمن الأخرى. ومن هنا، فإن إدارة الخلاف لا ينبغي أن تقوم على التصعيد وردود الفعل، وإنما على الحوار والاحتواء والتنسيق، بما يحفظ سيادة البلدين ويصون في الوقت نفسه العلاقات الأخوية بين الشعبين.

 

بقلم / أحمد حيدرا، باحث من دولة مالي مهتم بتحليل الظواهر الدينية والاجتماعية في منطقة الساحل والصحراء.